الجمعة، 25 مارس، 2016

خطبة عن العمل الصالح



الحمدُ للهِ الّذي كان بِعبادِهِ خبيراً بصيراً ، وتباركَ الّذي جعلَ في السماءِ بروجاً وجَعَلَ فيِها سِراجاً وقمراً مُنيراً (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ) وأشهدُ إن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ، وأشهدُ أنّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ ، أرسلَهُ اللهُ بين يدي السّاعةِ ، هادياً ومُبشراً ونذيراً  وداعياً إلى اللهِ بأذنِهِ وسراجاً منيراً ، فنشهدُ أنهُ بلغَ الرسالةَ وأدى الأمانةَ ، ونصحَ الأُمةَ ، وجاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ حتى أتاهُ اليقينُ ، تركنا على المحجةِ البيضاءِ ، ليلُها كنهارِها لا بزيغُ عنها إلا هالكٌ ، فصلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ وعلى إلِهِ وصحبِهِ ومن سارَ على نهجِهِ إلى يومِ الدينِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) أما بعد:أيُّها الأحبةُ في الله فَإنَّ العَمَلَ الصّالِحَ  مُهِمٌ جداً ، والاعتناءُ به والحرصُ عليه ، من أوجبِ الواجباتِ ، لأنه سَببٌ لسعادةِ وانشراحِ الصدرِ ، في الحياةِ الدُّنيا ، وبعد المماتِ ، إلى أن تُنالَ الدرجاتُ العُلا في الجنةِ ، يقولُ تعالى ( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ولكنْ ويا للأسفِ ، هيمنتْ الدنيا على القلوبِ ، وانشغلتْ بها النفوسُ ، فانصرفتْ إليها الهِمَمُ ، وصارتِ الأعمالُ ، بها .. ولها .. ومن أجلِها ، وفي سننِ ابن ماجةَ ، يقولُ عليه الصلاةُ والسلامُ { من كانتْ الدنيا همَّه  فرقَ اللهُ عليه أمرَهُ ، وجَعَلَ فقرَهُ بين عينيه ، ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما كُتِبَ له ، ومن كانتْ الآخرةُ نيتَهُ جمعَ اللهُ لهُ أمرَهُ وجعلَ غناه في قلبِهِ وأتتُهُ الدُّنيا وهي راغمةٌ } والعملُ هو الّذي يتمناه المُحتَظرُ، وهُوَ في سياقِ الموتِ (حتى إذا جَاءَ أحدَهُمَ الموتُ قالَ ربِّ ارجعون . لعَلّي أعملُ صالِحاً فِيما تركـت ) وَيَتمنّاهُ أهلُ النّارِ ، حينما يلقونَ فِيها ( وَهُم يصطَرِخون فيها . رَبَّنآأخرِجنا نعمَلُ صالِحاً غيرَ الّذي كُنّا نعمل ) ومن يقرءُ القرءانَ بقلبٍ حاضِر ، يجِدُ أن الله جلّ في عُلاه ، يوجهُ العِبادَ إلى العملِ ، في كَثيرٍ من الأياتِ فَتارةً يُعلّقُ الجزاءَ بِالعَمَلِ ، كما في قولِهِ تعالى : ( ولا تجزون إلاّ ماكنتُم تعمَلُون ) وتارةً يخبرُ بِاطّلاعِهِ على العملِ ، كما في قولِهِ تعالى : ( واللهُ بٍما تعمَلونَ بصير ) ( واللهُ خبيرٌ بِما تَعمَلون ) وتارةً : يُخبِرُنا أنّهُ وكّلَ بِنا حَفَظةً ، يُسجلونَ أعمالَنا ويُحصونها ، كما في قولِهِ تعالى : ( وإنَّ عَلَيكُم لحافِظِين . كِرَاماً كاتبين ، يعلمونَ ما تفعلُون ) وَتارةً يُخبرُنا أنَنَا سنلقى ما عَمِلناهُ يومَ القيامةِ ، ونَرَاهُ ونقرءُهُ ، كما قالَ تعالى ( يَومئذٍ يَصدُرُ الناسُ أشتاتاً ليُروا أعمالهم ، فَمن يَعمَل مِثقَال ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ ، ومَنَ يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يره) وقولهُ تعالى (وَكُلَّ إنسانٍ ألزمناهُ طائرهُ في عُنقه وَنخرِجُ لَهُ يوم القيامة ،كتاباً يلقاهُ منشوراً أقرأ كِتابك كَفى بِنفسك اليومَ عليكَ حسيباً ) وَتارة يُخبرُنا أن الإنسانَ يعملُ لنفسِهِ لا لغيرِهِ كما في قولِهِ تعالى ( مَّن عَمِلَ صَلحاً فلنفسِهِ وَمَنَ أساء فعليها )  وقولِهِ تعالى (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) وليسَ أمامَ الإنسانِ ، فُرصَةٌ للعملِ إلا حياتَهُ في هذه الدُنيا ، فاليومَ عَمَلٌ ولا حٍسابٌ وغداً حِسابٌ ولا عَمَلٌ ، وعُمْرُ الإنسانِ قَصِير وأجلُهُ غائبٌ ، لا يدري في أيِّ ساعةٍ يقدُمُ ، وإذا قَدمَ لا يَقبلُ التأخيَر قالَ تعالى : (فإذا جاء أجلُهم لايستأخِرون ساعهً ولا يستقدِمون ) وهذه الأيامُ ، التي تَعيشُها أَيها الإنسانُ في هذهِ الدُنيا ، فُرصةٌ نفيسةٌ لا تُقَّدرُ بثمنٍ ، إن عَرَفَتَ قيمتَها ، وحَفِظَتَها فِيما يَنفعُكَ ، فستُثمرُ لكَ سعادةً دائمة سَرمَدِيةً ،  وأن ضَيَعتَها في اللهوِ والغفلةِ فَسَتثمِرُ لك خَسَارةً دائمة ، فالذين حَفِظُوا حَيَاتَهمُ الدُنيويةَ بالعملِ الصالحِ ، يُقَالُ لَهمُ يومَ القيامةِ : ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَة ) والذين ضيعُوا أوقاتَهم ، في هذه الدُنيا باللهوِ واللعبِ والغفلةِ يُقالُ لَهم : ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) فالعمرُ الذي تعيشُهُ ، هو مزرعتُكَ التي تجني ثمارَها في الدارِ الآخرةِ ، فإن زرعتَهُ بخيرٍ وعملٍ صالحٍ ، جنيتَ السعادةَ والفلاحَ وكنتَ مع الذين ينادى عليهم في الدارِ الباقيةِ (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)  وإن ضَيَّعتَه في الغَفَلات ، وزرعتَهُ بالمعاصي والمُخالفات ، نَدِمتَ يوم لا تَنفَعُكَ النَّدامة ، وتَمَنيت الرّجُوعَ إلى الدُنيا ، وهيهات هيهات (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وتندمُ إن كنتَ من أهلِ النارِ ، أعاذنا الله وإياك من ذلك ، يومَ يقولُ قائلُهم (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَل) فيقال لهم (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم،
ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمَعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنب وخطيئة فاستغفِروه، فقد فاز المستغفِرون
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقهِ وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله ، وحدهُ لا شريكَ لهُ ، تعظيماً لشانه ، وأشهد أنَّ نبينا محمّداً عبده ورسولُه ، الدّاعي إلى رضوانه ، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحابِه وأعوانه ، وسلّم تسليماً مزيداً ، أمّا بعدُ:أيُّها الأحبةُ في الله ،صحَ عن النبيِّ e إنه قالَ { لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعٍ ، عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن شبابِهِ فيما أبلاهُ وعن مالِهِ من أين اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن علمِهِ ما عملَ بهِ } وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن مجاهدٍ قالَ ما مِنْ يومٍ إلا يقولُ ، ابنَ آدمَ ، قد دخلتُ عليكَ اليومَ ، ولن أرجعَ إليكَ إلى يومِ القيامةِ ، فانظرْ ماذا تعملُ فيَّ ، فإذا انقضى طواهُ ثم يختمُ عليهِ ، فلا يُفَكُّ حتى يكونَ اللهُ ، هو الذي يَفُكُّ ذلك الخاتمَ يومَ القيامةِ ، ويقولُ اليومُ حين ينقضي ، الحمدُ اللهِ الذي أراحني من الدنيا وأهلِها ، ولا ليلةٌ تدخلُ على الناسِ إلا قالتْ كذلك ، فيا أيها الناسُ ، من أمضى يوماً من عمُرِهِ في غيرِ حقٍ قَضَاه ، أو فرضٍ أدَّاهُ ، أو مجدٍ أصَّلَهُ ، أو فعلٍ محمودٍ حصَّلَهُ ، أو علمٍ اقتبَسَهُ ، فقد عقَّ يومَهُ ، و ظلمَ نفسَهُ ، و خانَ عمُرَهُ ، هكذا قالتْ الحكماءُ ، عباد الله صَلّوا رَحمني اللهُ وإيَّاكُم ، على الهادي البشيرِ ، والسراجِ المنيرِ ، كما أمرَكم بذلك اللطيفُ الخبيرُ ، بِقَولِهِ سبحانه ( إِنَّ اللهَ وَملاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيْ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُواْ صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) وقد قال عليه الصلاةُ والسلامُ { حيثما كنتم فصلوا عليَّ فإنَّ صلاتَكم تبلغني }وقال{ من صلى علي صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشراً } اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وأكرمْ وزدْ وباركْ ، على عبدِك ورسولِكَ محمدٍ ، وارضَ اللهم عن أصحابِهِ الأطهارِ ، ما تعاقبَ الليلُ والنهارُ ، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ ، وعن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين ، وعن التابعينَ وتابعِيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ ، وعنَّا معَهم بمنِّكَ وفضلِكَ ورحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ .اللهم أعزَّ الإسلامَ المسلمينَ ، ودمرْ أعداءَ الدينِ من اليهودِ والنصارى ، وجميعِ الكفرةِ الملحدينَ ، اللّهُم يا عظيمَ العفوِ ، ويا وسعَ المغفرةِ ، ويا قريبَ الرّحمةِ ، ويا ذا الجلالِ والإكرامِ ، هبْ لنا العافيةَ ، في الدُنيا والآخرةِ ، اللّهُم اجعلْ رزقَنَا رغداً ، ولا تُشمتْ بنا أحداً ، اللهم إنا نسألُكَ ، بعزِّكَ الذي لا يرامُ ، وملكِكَ الذي لا يُضامُ ، وبنورِكَ الذي ملأ أركانَ عرشِكَ ، أن تكفيَنا شرَّ ما أهمَنا وما لا نهتمُ به ، وأن تعيذَنا من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا ، اللهم رَغّبْنا فيما يبقى ، وَزَهّدْنا فيما يفنى ، وهبْ لنا اليقينَ ، الذي لا تسكنْ النفوسُ إلا إليهِ ، ولا يُعوَّلُ في الدينِ إلا عليهِ ، اللهم اجعلْ بَلدَنا هذا آمناً مطمئناً ، وسائرَ بلادِ المسلمينَ ، اللهم أرحمْ موتانا ، وعافي مُبتلانا ، واقضِ الدينَ عن مدينِنا ، وردَّ ضالَنا إليكَ رداً جميلاً ، اللهم احفظْ بلادَنا وولاةَ أمرِنا وعلماءَنا ودُعاتَنا ، اللهم انصُر جُندنا وحفظ رِجالَ أَمْنِنَا ، ووحِّدْ كلمتَنا وقوي شوكتَنا  ياربَّ العالمينَ ، ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) ، عبادَ اللهِ إن اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذا القربى وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظُكم لعلكم تذكرونَ ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)

خطبة جمعة عن التوبة

الحمد للهِ الكريمِ الوهابِ ، غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ، أشهدُ أن لا إلهَ لنا غيرُهْ ، ولا ربَّ لنا سواهُ ، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلم تسليماً كثيراً : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )  (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً): أما بعد :  أيها الموحدون : يُحيطُ بابنِ آدمَ أعداءٌ كُثرٌ ، من شياطينِ الإنسِ والجنِّ . يحسِّنونَ القبيحَ ويُقَبِحُونَ الحسنَ ، يَنضَمُّ إليهم ، النَّفسُ الأمارةُ بالسوءِ ، والشيطانُ والهوى ، يَدعونَهُ إلى الشهواتِ ويَقُودُونَهُ إلى مَهاوي الرَّدَى ، ويَنحَدِرُ في مُوبقاتِ الذنوبِ صَغَائِرِها وكَبَائرِها ، ويَنساقُ في مُغرياتِ الحياةِ ، وَدَاعِيَاتِ الهوى، يُصاحبُ ذلِك ، ضِيقٌ وحَرَجٌ ، وشُعورٌ بالذَّنبِ والخطِيئةِ حتى تَكادَ أَنْ تَنغَلِقَ أَمَامَهُ أبوابُ الأملِ ، ويَدخُلُ في دائرةِ اليأسِ من رَوْحِ اللهِ ، والقنوطِ من رحمةِ اللهِ. وهذا غَايةُ مَا يُريدُهُ الشيطانُ من العبدِ ... وَهُوَ أَنْ يَصلَ إلى هذه المرحلةِ من اليأسِ. فَيترُكُ التوبةَ والأعمالَ الصالحةَ ، ويَنغَمِسُ في الذّنوبِ والمعاصي لأنه يَرى نَفْسَهُ مُجرِماً لا يَصلحُ للخيرِ ، وليسَ من أهلِهِ، يرى نفسَهُ مُخَادِعاً لا يَتوبُ توبةً صادقةً ، فَيَفرَحُ الشيطانُ بذلكَ ويشعرُ بِلَذَّةِ النَّصرِ.لكن يا أخي المؤمنَ ، إعلمْ وفقَني اللهُ وإياكَ لكلِّ خيرٍ ، أَنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ الرؤوفَ الرحيمَ ،( الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ )(الشورى: من الآية25)، قد فتحَ لعبادِهِ أبوابَ التوبةِ ، ودلَّهم على الاستغفارِ ، وجَعَلَ لهم من أعمالِهمُ الصالحةِ كَفَّاراتٍ ، وفي ابتلائِهم مُكَفِّراتٍ ، بل إنَّهُ بفضلِهِ وكَرَمِهِ يُبدلُّ سيئاتِهم حسناتٍ:قال تعالى(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:70) أللهُ أكبر يقولُ سُبحانَهُ (وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً *يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً) [النساء:27-28].فلماذا أيها الإخوةُ نجعلُ للشيطانِ بعد ذلكَ علينا سبيلاً؟ لقد جعلَ اللهُ في التوبةِ ملاذاً مكيناً ومَلجأً حَصِيناً يَدخلُهُ الْمُذنِبُ مُعتَرفاً بذنبِهِ ، مُؤمِّلاً في ربِّهِ ، نَادِماً على فعلِهِ غَيرَ مُصِرٍّ على ذَنبِهِ. يَحتَمي بِحمَى الاستغفارِ، ويَتبعُ السيئةَ الحسنةَ ، فَيُكَفِّرُ اللهُ عنه سيئاتِهِ ، ويَرفَعُ درجاتِهِ ، فيا مَنْ وقعتَ في الذنوبِ ،صَغيرِها وكَبيرِها ، عَظيمِها وحَقيرِها ، نداءُ اللهِ لكَ: (قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ) [الزمر:53]. هل تأملتَ قولَهُ تعالى: (يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً) إنَّهُ تَعمِيمٌ لجميعِ الذَّنوبِ بلا استثناءٍ، ولو كانتْ تلك الذنوبُ كلُّها كبائراً من حيثُ النّوعِ  ، ولو مَلأَتْ عَنَانَ السماءِ ، وبلغتْ عَدَدَ رِمَالِ الدُّنيا من حيثُ الكمِّ ، هذا مَعَنى (جَمِيعاً) فَكَيفَ يَتسللُ اليأسُ بعد هذه الآيةِ ، إلى نَفسِ مؤمنٍ قد أسرفَ على نفسِهِ في المعاصي ، يَتلُو هذه الآيةَ ، ويَسمَعُ أحاديثَ رسولِ اللهِ r  في التوبةِ .والتوبةُ الصادقةُ تمحو الخطايا مهما كانتْ ، حتى الكفرَ والشركَ ... يقولُ تعالى: (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال:38]. وتأملْ إلى قتلةِ الأنبياءِ ، ممن قالوا: إِنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ، وقالوا: إنَّ اللهَ هو المسيحُ ابنُ مريمَ، تَعَالى اللهُ عَمَّا يَقولُونَ علواً كبيراً. نَاداهُم اللهُ جل وعلا بقولِهِ: (أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المائدة:74]. وإلى أصحابِ الأخدودِ ، الَّذينَ قَتَلُوا عِبَادَ اللهِ المؤمنينَ بغيرِ ذنبٍ ، إلاَّ أنَّهم آمنوا باللهِ ربِّهم، ينبهُهُم اللهُ عَزَّ وجَلَّ ، إلى أنَّهم لو تَابُوا ، لَتَابَ عليهم وقَبِلَهم ، قالَ تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ) [البروج:10]. قالَ الحسنُ البصريُّ رحِمهُ الله في هذه الآيةِ: [قَتلوا أولياءَهُ وَيَعرِضُ عليهم التوبةَ). إخوةَ الإيمانِ: فَتَحَ ربُّنا أبوابَهُ لكلِّ التائبينَ، يَبسطُ يَدَهُ بالليلِ ، لِيَتُوبَ مُسيءُ النهارِ ، ويبسطُ يدَهُ بالنهارِ ليتوبَ مسيءُ الليلِ. وقالَ في الحديثِ القدسي: {يا عبادي إنكم تُخطِئُونَ بالليلِ والنهارِ، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعاً، فاستغفروني أغفرْ لكم} [رواه مسلم]. وقالَ تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً) [النساء:110]. ومن ظنَّ أن ذنباً ، لا يَتَسِعُ له عفوُ اللهِ ، فقد ظنَّ بربِّهِ ظنَّ السَّوءِ. كم من عبدٍ ، كانَ من إخوانِ الشياطينِ فمنَّ اللهُ عليهِ بتوبةٍ ، مَحَتْ عنه ما سلفَ ، فَصَارَ صَوَّاماً قواماً قانتاً للهِ ساجداً وقائماً ، يَحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّهِ.فمن تَدَنَّسَ بشيءٍ من قَذَرِ المعاصي ـ وكلُّنا ذاكَ الرجلُ ـ فَليُبَادِرْ بِغَسْلِهِ بماءِ التَّوبةِ والاستغفارِ ، فإنَّ اللهَ يحبُّ التوابينَ ويحبُّ المتطهرينَ ، بل قد وردَ في الحديثِ ، أن اللهَ يفرحُ كثيراً بتوبةِ العبدِ ، فربٌّ يَفرَحُ بتوبةِ عبدِهِ ، فَمَا أرحَمَهُ من ربٍّ ، وما أعظمَهُ وما أحلمَهُ!. فماذا يُريدُ العاصي بعدَ ذلك؟! أيها العاصي: ماذا تَراكَ فعلتَ؟؟ سَرقتَ.. زَنيتَ.. قَتَلتَ.. أَمْ أكلتَ الربا.. والرِّشوةَ.. أم شَرِت الخمر ، أو استخدمت الْمُخدِرات ، أم ماذا فعلتَ ؟ كلُّ ذلك يَصغرُ في جنبِ رحمةِ اللهِ، أليسَ اللهُ قد قالَ: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء) أوليستْ ذنوبُكَ شيئاً؟! بلى واللهِ.. إذاً فأبشرْ فرحمةُ اللهِ تَسَعُها..
                    باركَ اللهُ لي ولكم في القرءانِ العظيمِ
 ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمَعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلّ ذنبٍ وخطيئةٍ فاستغفِروه، فقد فاز المستغفِرون



الحمدُ للهِ وكَفَى، وصَلاةً وسَلاماً على النبيِّ المصطفى، وعلى آلِهِ وصحبِهِ مِمَنْ وفَى، ومَنْ اتبعَ هداهُم واستنَّ بسنتِهم واقتفى.وبعد: إن الشيطانَ لَيَفرحُ ويُحسُّ بالنَّصرِ ، على مَنْ يَئِسَ من نَفسِهِ أن يَتوبَ وتَركَ التوبةَ، إنَّهُ خطأٌ عظيمٌ،  يَرتَكِبُهُ العبدُ ، عِندَمَا يتركُ التوبةَ يَأساً من نفسِهِ ، وقُنوطاً من رحمةِ اللهِ. إنَّهُ الشيطانُ ، الَّذي يَجعَلُ المذنبَ يَشعرُ بأنَّهُ رجلٌ غَيرُ صالحٍ ، وأَنَّهُ صَاحِبُ مَعَاصِي، وهذا خطأٌ، لأننا جميعاً أصحابُ معاصي قالَ r :{كلُّ بني آدمَ خطاءٌ وخيرُ الخطائينَ التوابونَ}[رواه الترمذي وابن ماجه].فهلْ يَخرُجُ من هذا العمومِ أحدٌ؟؟ كلا.. فكلُّنا ذوو خطأٍ، وعلينا جميعاً أن نتوبَ إلى الله .بل إنَّ اللهَ تعالى ، يقولُ في الحديثِ القدسي {يا عبادي إنكم تُخطِئُونَ بالليلِ والنهارِ، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعاً، فاستغفروني أغفرْ لكم} [رواه مسلم]  عبادَ اللهِ صلّوا على المعصومِ ، عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليمِ ، فإنّه يقولُ بأبي هو وأُمي { حيثما كنتم فصلوا عليَّ فإنَّ صلاتَكم تبلغني }ويقولُ بأبي هو وأُمي { من صلى علي صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشراً } اللهم صلِّ وسلمْ وأنعمْ وأكرمْ وزدْ وباركْ ، على عبدِك ورسولِكَ محمدٍ ، وارضَ اللهم عن أصحابِهِ الأطهارِ ، ما تعاقبَ الليلُ والنهارُ ، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ ، وعن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين ، وعن التابعينَ وتابعِيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ ، وعنَّا معَهم بمنِّكَ وفضلِكَ ورحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ .اللهم أعزَّ الإسلامَ المسلمينَ ، ودمرْ أعداءَ الدينِ من اليهودِ والنصارى ، وجميعِ الكفرةِ الملحدينَ ، اللّهُم يا عظيمَ العفوِ ، ويا وسعَ المغفرةِ ، ويا قريبَ الرّحمةِ ، ويا ذا الجلالِ والإكرامِ ، هبْ لنا العافيةَ ، في الدُنيا والآخرةِ ، اللّهُم اجعلْ رزقَنَا رغداً ، ولا تُشمتْ بنا أحداً ، اللهم إنا نسألُكَ ، بعزِّكَ الذي لا يرامُ ، وملكِكَ الذي لا يُضامُ ، وبنورِكَ الذي ملأ أركانَ عرشِكَ ، أن تكفيَنا شرَّ ما أهمَنا وما لا نهتمُ به ، وأن تعيذَنا من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا ، اللهم رَغّبْنا فيما يبقى ، وَزَهّدْنا فيما يفنى ، وهبْ لنا اليقينَ ، الذي لا تسكنْ النفوسُ إلا إليهِ ، ولا يُعوَّلُ في الدينِ إلا عليهِ ، اللهم اجعلْ بَلدَنا هذا آمناً مطمئناً ، وسائرَ بلادِ المسلمينَ ، اللهم أيدْ إمامَنا بتأيدِكَ ، وانصرْ بهِ دينَكَ ، ووفقْهُ إلى هُدَاكَ ، واجعلْ عمَلَهُ في رضاكَ ، وارزقْهُ اللهم البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ ، التي تدلُهُ على الخيرِ ، وتعينه عليه، اللهم انصُر جُندنا وحفظ رِجالَ أَمْنِنَا ، ووحِّدْ كلمتَنا وقوي شوكتَنا  ياربَّ العالمينَ ، ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) عبادَ اللهِ إن اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذا القربى وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظُكم لعلكم تذكرونَ ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)


خطبة الجمعة عن الاستقامة


أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ وَلاَ تَعْصُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ، فَمَجْزِيُّونَ عَلَى إِحْسَانِكُمْ، وَمُحَاسَبُونَ عَلَى تَفْرِيطِكُمْ، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ) [البقرة:197].

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سُفْيَانِ بنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَولاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيرَكَ، قالَ صلى الله عليه وسلم: "قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ".

الاسْتِقَامَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، تَأْخُذُ بِمَجَامِعِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَتَتَحَقَّقُ بِهَا مَعَالِي الأُمُورِ، وَأَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَالأُجُورِ، وَبِهَا يَكْمُلُ الإِيمَانُ، وَيُضْمَنُ الأَمْنُ يَومَ البَعْثِ والنُّشُورِ، وَتَعُمُّ الخَيرَاتُ وَالبَرَكَاتُ، ويَسْعَدُ الأَفْرَادُ وَالمُجْتَمَعَاتُ، إِنَّهَا خَصْلَةٌ مِنْ أَعْظَمِ خِصَالِ السَّائِرِينَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَأَجَلِّ مَدَارِجِ السَّالِكِينَ بَينَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، يَنَالُ المَرْءُ بِهَا الكَرَامَاتِ، ويَصِلُ إِلَى أَعْلَى المَقَامَاتِ، وَيَعِيشُ بَرْدَ اليَقِينِ، وَيَحُوزُ عَلَى مَرْضَاةِ رَبِّ العَالَمِينَ.

إِنَّهَا اتِّبَاعُ الدِّينِ القَوِيمِ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ المُحَرَّمَاتِ، ولُزُومُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ بِرِعَايَةِ حَدِّ الوَسَطِ في كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الحيَاةِ، وَالقِيَامُ بَينَ يَدَي اللهِ بِمَا أَمَرَ، والاَلتِزَامُ بالصِّدْقِ في القَولِ والعَمَلِ، وَالوَفَاءُ بِكُلِّ المَواثِيقِ والعُهُودِ، فَالإِسْلاَمُ إِيمَانٌ باللهِ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ، ثُمَّ اسْتِقَامَةٌ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ وشَرْعِهِ مِنْ غَيرِ تَغْيِيرٍ أَو تَبْدِيلٍ أَو تَقْصِيرٍ؛ عَلَى حَدِّ قَولِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوفٌ عَلَيهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأحقاف:13-14].

قَالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضي الله عنه-: لَمْ يُشْرِكُوا باللهِ شَيئًا، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى إِلَهٍ غَيرِهِ، ثُمَّ اسْتَقَامُوا عَلَى أَنَّ اللهَ رَبَّهُم. وَيَقُولُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ -رحمه الله-: اسْتَقَامُوا عَلَى أَمْرِ اللهِ، فَعَمِلُوا بِطَاعَتِهِ واجْتَنَبُوا مَعْصِيَتَهُ. وَيَقُولُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -رضي الله عنه-: الاسْتِقَامَةُ أَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى الأَمْرِ والنَّهْي، وَلاَ تَرُوغَ رَوَغَانَ الثَّعْلَبِ. يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ المُسْتَقِيمِينَ يَلْتَزِمُونَ بالاسْتِقَامَةِ دَائِمًا في جَمِيعِ أَحْوَالِهِم وَأَوقَاتِهِم وَلَيسَ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ؛ وَلِذَا قَالَ شَيخُ الإِسْلاَمِ ابنُ تَيمِيَّةَ -رحمه الله-: أَعْظَمُ الكَرَامَةِ لُزُومُ الاسْتِقَامَةِ.

وَأَصْحَابُ الاِسْتِقَامَةِ -عباد الله- جَمَعُوا بَينَ أَصْلَي الكَمَالِ في الإِسْلاَمِ: الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى، وَالاِسْتِقَامَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَالإِيمَانُ كَمَالٌ في القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ وَالسَّيرِ عَلَيهِ؛ مَعْرِفَةٌ بِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةُ وَالأُلُوهِيَّةِ، مَعْرِفَةٌ باللهِ تَعَالَى رَبًّا حَكِيمًا، وإِلهًا مُدَبِّرًا، مُعَظَّمًا في أَمْرِهِ ونَهْيِهِ، قَدْ عُمِرَتْ قلوبُهُم بِخَوفِهِ ومُرَاقَبَتِهِ، وامْتَلأَتْ نُفُوسُهُمْ خَشْيَةً وإِجْلاَلاً، ومَهَابَةً ومَحَبَّةً، وتَوَكُّلاً ورَجَاءً، وإِنَابَةً ودُعَاءً، أَخْلَصُوا للهِ في القَصْدِ والإِرَادَةِ، ونَبَذُوا الشِّرْكَ كُلَّهُ، وَتَبَرَّؤُوا مِنَ التَّعَلُّقِ بغَيرِ اللهِ رَبِّهِم، ثُمَّ اسْتَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ، دُونَ تَفْرِيطٍ أَو إِفْرَاطٍ، فَإِذَا تَمَكَّنَ ذَلِكَ مِنَ العَبْدِ ظَهَرَ في سُلُوكِهِ طُمَأْنِينَةٌ في النَّفْسِ، وَرِقَّة في القَلْبِ، وقُرْبٌ مِنَ الرَّبِّ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

سُئِلَ الصِّدِّيقُ -رضي الله عنه- عَنِ الاِسْتِقَامَةِ فَقَالَ: أَن لاَّ تُشْرِكَ باللهِ شَيئًا. يُرِيدُ: الاسْتِقَامَةَ عَلَى مَحْضِ التَّوحِيدِ والإيمَانِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بأَمْرٍ إِلاَّ وَللشَّيطَانِ فِيهِ نَزْعَتَانِ: إِمَّا إِلَى تَفْرِيطٍ، وإِمَّا إِلَى مُجَاوَزَةٍ وَهِي الإفْرَاطُ، وَلاَ يُبَالِي بأيِّهِمَا ظَفِرَ زِيَادَةٍ أَو نُقْصَانٍ.

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: بالاسْتِقَامَةِ يَجِدُ المُسْلِمُ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، وَطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ، وَرَاحَةَ النَّفْسِ وَالبَالِ؛ (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الزمر:22]، (أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:122].

وَمَا أَجْمَلَ الاسْتِقَامَةَ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَالتَّوبَةِ وَالإِنِابَةِ، وَالازْدِيَادِ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ! وَمَا أَعْظَمَهَا حِينَ تَكُونُ بَعْدَ الطَّاعَةِ! فَهَذِهِ حَالُ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ فِي إِيمَانِهِ، الذِي لاَ يَغْتَرُّ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ، وَلاَ يَرْكَنُ إِلاَّ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ؛ لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ عَمَلَهُ فِي جَنْبِ مَعَاصِيهِ وَغَفْلَتِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى قَلِيلٌ، وَأَنَّهُ مَهْمَا عَمِلَ فِي جَنْبِ نِعَمِ اللهِ عَلَيهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَسِتْرِهِ فَلَنْ يُوَفِّيَ ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضَ حَقِّهِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ مِنَ المُتَّقِينَ؛ (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:57-61].

وَفِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ صلى الله عليه وسلم: "لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ"، قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: "وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا"؛ وَلأَجْلِ هَذَا فَقَدْ أَرْشَدَ النبيُّ الكَرِيمُ –صلى الله عليه وسلم- أُمَّتَهُ بِقَولِهِ: "اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا" رواه مسلم، وَبِقَولِهِ –صلى الله عليه وسلم-: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا" متفق عليه. وَالسَّدَادُ هُوَ حَقِيقَةُ الاسْتِقَامَةِ، وهُوَ الإِصَابَةُ في جَمِيعِ الأَقْوَالِ والأَعْمَالِ والمَقَاصِدِ؛ وأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وأَجَلُّ قَولُ الحَقِّ تَعَالَى: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) [فصلت:6]. وَهُوَ تَوجِيهٌ إِلَهِيٌّ كَرِيمٌ لِجَبْرِ مَا قَدْ يَحْصُلُ مِنْ ضَعْفٍ بَشَرِيٍّ، وقُصُورٍ إِنْسَانِيٍّ.

عِبَادَ اللهِ، لَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ الكِرَامَ -رضي الله عنهم- بِالاسْتِقَامَةِ، وَهُوَ صَفْوَةُ الخَلْقِ، وَهُمْ أَفْضَلُ الأُمَّةِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَولِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ) [هود:112-113]. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- في جَمِيعِ القُرْآنِ آيَةٌ كَانَتْ أَشَدَّ وَلاَ أَشَقَّ عَلَيهِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ. وعَنِ الحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَمَّرَ رسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- للعِبَادَةِ، فَمَا رُئيَ ضَاحِكًا، وقَالَ لأَصحَابِهِ حِينَ أَسْرَعَ إِلَيهِ الشَّيبُ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأَخَوَاتُهَا"، يَعْنِي قولَهُ تَعَالَى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)".

وَلَقَدْ كانَ المُصْطَفَى –صلى الله عليه وسلم- قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ؛ تَقُولُ عَائِشَةُ -رضي الله عنها- حِينَ سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم-: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ القُرْآنَ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]؟! رواه أحمدُ. وَكَانَ أَكثَرُ دُعَائِهِ –صلى الله عليه وسلم-: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ" رواه أحمدُ والترمذيُّ وحسَّنَهُ.

رَوَى عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللهِ"، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذِهِ سُبُلٌ (مُتَفَرِّقَةٌ) عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيطَانٌ يَدْعُو إِلَيهِ"، ثُمَّ قَرَأَ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153]. رواه أحمدُ والدَّارِمِيُّ والحاكِمُ بإسنادٍ صحيحٍ.

وَهَذِهِ السُّبُلُ التِي وَصَفَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَيطَانٌ يَدْعُو إِلَيهِ مِنْ شيَاطِينِ الجِنِّ وَالإِنْسِ، وَمَا أَكَثَرَهُم في هَذَا الزَّمَانِ! لاَ كَثَّرَهُم اللهُ! الذِين يَدْعُونَ إِلَى مُخَالَفَةِ صِرَاطِ اللهِ المُسْتَقِيمِ بكُلِّ وَسِيلَةٍ، ويُزَيِّنُونَ الابْتِعَادَ عَنْهُ بِكُلِّ طَرِيقَةٍ، يَدْعُونَ إِلَى الطُّرُقِ المُنْحَرِفَةِ، والسُّبُلِ المُلْتَوِيَةِ؛ وَهَؤُلاَءِ كُلُّهُم دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُم قَذَفُوهُ فِيهَا، واَلنَّارُ حُفَّتْ بالشَّهَوَاتِ، ومَا أَكَثَر مَنْ يَسْتَجِيبُ لَهُم مِنْ ضِعَافِ الإِيمَانِ!.

لَكِنَّ المُسْلِمَ المُسْتَقِيمَ عَلَى أَمْرِ اللهِ تَعَالَى لاَ يَأْبَهُ بِهِم، ولاَ يَرْكَنُ إِلَيهِم، وَلاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ، بَلْ يَتَّبِعُ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيُحَكِّمُهُمَا فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَيَتَمَسَّكُ بكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَيَعَضُّ عَلَيهِمَا بالنَّوَاجِذِ في زَمَنِ الشَّهَوَاتِ والشُّبُهَاتِ، فَيَصْلُحُ حِينَ يَفْسدُ النَّاسُ، ويُصْلِحُ مَا أَفْسَدَ الناسُ، ويَقْبِضُ عَلَى الجَمْرِ حِينَ يَتَذَرَّعُ النَّاسُ بالشَّهَوَاتِ والمُغْرِيَاتِ؛ حِينَهَا تَعْظُمُ الاسْتِقَامَةُ أَجْرًا وتَسْمُو قَدْرًا.

وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ"، وَرَوَى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ ثَوبَانَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ"، وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُصلى الله عليه وسلم: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللهُ بَيتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَو بِذُلِّ ذَلِيلٍ؛ عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلاَّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ" رواه أحمدُ.

إِنَّ الاسْتِقَامَةَ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى ثَبَاتٌ ورُجُولَةٌ، وانْتِصَارٌ وفَوزٌ في مَعْرَكَةِ الطَّاعَاتِ وَالأَهْوَاءِ وَالرَّغَبَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الذِينَ اسْتَقَامُوا أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيهِم المَلاَئِكَةُ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ لِتَطْرُدَ عَنْهُمُ الخَوفَ والحَزَنَ، وَتُبَشِّرَهُم بالجَنَّةِ، وَيُعْلِنُوا وَقُوفَهُم إِلَى جَانِبِهِم في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَولِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) [فصلت:30-32].

فَاسْتَقِيمُوا -أَيُّهَا النَّاسُ- عَلَى شَرْعِ اللهِ كَمَا أُمِرْتُمْ، اسْتِقِيمُوا وَلاَ تَطْغَوا، اسْتَقِيمُوا وَلاَ تَتَّبِعُوا سَبِيلَ الذينَ لا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ وتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ.


الخطبة الثانية:

الحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلهِ وَأَصْحَابهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ.

أمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ تَقْوَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَبَبُ الفَلاَحِ والسَّعَادَةِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

ثُمَّ اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الاسْتِقَامَةَ مَنْزِلَةٌ شَاقَّةٌ تَحْتَاجُ النَّفْسُ مَعَهَا إِلَى المُرَاقَبَةِ والمُلاَحَظَةِ وَالأَطْرِ عَلَى الحَقِّ والعَدْلِ، والبُعْدِ عَنِ الهَوَى والمُجَاوَزَةِ والطُّغْيَانِ، فَالكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَّنَى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ.

وَمَدَارُ الاسْتِقَامَةِ في الدِّينِ -عباد الله- عَلَى أَمْرَينِ عَظِيمَينِ هُمَا: حِفْظُ القَلْبِ وَاللِّسَانِ، فَمَتَى اسْتَقَامَا اسْتَقَامَتْ سَائِرُ الأَعْضَاءِ، وصَلَحَ الإِنْسَانُ في سُلُوكِهِ وحَرَكَاتِهِ وسَكَنَاتِهِ، ومَتَى اعْوَجَّا وَفَسَدَا فَسَدَ الإِنْسَانُ وضَلَّتْ أَعْضَاؤُهُ جَمِيعًا، وَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ"، وَعِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلاَ يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ".

إنَّ الاسْتِقَامَةَ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ لَيسَتْ أَمْرًا مُحَالاً، وَلاَ أُمْنِيَةً وَادِّعَاءً ،وَلاَ رَهْبَانِيَّةً مُبْتَدَعَةً كَمَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ، ولَكِنَّهَا اسْتِقَامَةٌ عَلَى الأَمْرِ بالامْتِثَالِ، وَعَلَى النَّهْي بالاجْتِنَابِ، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: "تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ". قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا".

إِنَّ الاسْتِقَامَةَ الحَقَّةَ -عِبَادَ اللهِ- هِي سُلُوكُ طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، طَرِيقِ الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ والفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، أَهْلِ العَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ، والمَنْهَجِ السَّلِيمِ؛ أَتْبَاعِ السُّنَّةِ والدَّلِيلِ، والتَّمَيُّزُ عَنْ أَعْدَاءِ اللهِ، ومُفَارَقَةُ أَهْلِ البَاطِلِ، ومُجَانَبَةُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ والبِدَعِ والشَّهَوَاتِ؛ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَينِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً"، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي".

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيهِ في قَوله عَزَّ مِنْ قَائلٍ عَلِيمٍ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أجمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ...


يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظة لمدونة عالم الابتكار 2014